مبدعو إربد في التسعينيات.. أين ذهبوا؟

4
كنت قادماً من قرية نائمة في حضن الأودية والحكايات، حين دخلت جامعة اليرموك في أواخر الثمانينيات. وجدت نفسي أمام نافذة واسعة على عالم آخر. كانت الدهشة أول ما شعرت به رغم أن المسافة بين قريتي والجامعة لا تزيد عن 25 كيلو متراً.
مكتبة اليرموك عامرة بالكتب والقراء، شباب يقرأون الروايات والشعر والفكر والسياسة، وآخرون يكتبون ويثرثرون وينظّرون. عشرات، وربما مئات، من الشباب كانوا يحاولون أن يقولوا شيئاً، وأن يجدوا لأنفسهم مكاناً في عالم بدا يومها مفتوحاً على احتمالات كثيرة.
ثمة من ألف رواية أراد بها أن ينطلق من إربد، المدينة التي كانت تبدو لكثيرين آنذاك كقرية كبيرة، إلى فضاء الكون. بعضهم كتب الشعر والقصة القصيرة، وبعضهم نشر كتابه الأول بصعوبة شديدة أشبه بولادة من الخاصرة، فيما كان آخرون يحملون مخطوطات لم تجد طريقها إلى النشر وانتهت كذلك مع الأسف.
كانت السياسة حاضرة بقوة، إذ جاء تفجر الطاقات على هذا النحو في أعقاب عودة الحياة البرلمانية وانتهاء الأحكام العرفية بين عامي 1988- 1989. كان الشباب والشابات متحمسين للغاية، ولم ينتظروا طويلاً لاختبار جدية التجربة الديمقراطية، فأطلقوا طاقاتهم دفعة واحدة.
الحياة الحزبية التي كانت تعيش في الغرف المغلقة انتقلت إلى الفضاء العام. تحول محيط اليرموك إلى غرف اجتماعات، وربما كانت كلمة «ثكنات» أدق أحياناً، بفعل حضور التيارات اليسارية والقومية ثم الإسلامية ثورية الأفكار. في خضم ذلك النشاط لم يخلو الأمر من صراعات واحتكاكات وصدامات.
انتشرت المقاهي، وتحولت طاولات المطاعم إلى منتديات. كان يمكن أن تجد في المكان نفسه من يناقش رواية من البرازيل، ومن يجادل في الماركسية، ومن يتحدث عن تحرير فلسطين، ومن يكتب قصيدة أشبه ببيان سياسي، كانت المسابقات الثقافية أيضا تنتج أسماء لشعراء وكتاب باستمرار. باختصار كانت حياة مدهشة وتعج بأسماء مبدعين استطيع أن أتذكر عشرات منهم الآن. ولم تكن إربد في تلك السنوات حاضنة لمبدعيها المحليين فقط. كانت جامعة اليرموك، إلى حد بعيد، جامعة فعلية لكل الأردنيين. جاء إليها الشباب من مختلف المحافظات، وجاء كل واحد منهم بلهجته وتجربته وبيئته وأحلامه، ثم اختلطت كل هذه العناصر في مدينة واحدة. هذا التفاعل السكاني والديمغرافي تحول بصورة طبيعية إلى تفاعل ثقافي ومعرفي، لعلنا نفتقد شيئاً من ذلك اليوم.
لا أستعيد هذه الصورة الآن بدواعي الحنين إلى شباب مضى، وإنما لأنني أفكر في أولئك الذين كانوا حولنا. أين ذهبوا؟ ماذا حل بالشعراء والقصاصين والروائيين الذين كانوا يكتبون يومها؟ ماذا حدث للمخطوطات التي لم تجد من ينشرها؟ وللأحلام التي لم تجد مؤسسة تتبناها؟ وللمواهب التي اكتشفت، بعد سنوات قليلة، أن الإبداع لا يطعم خبزاً؟
مع الأسف، بدأ بريق التجربة الديمقراطية يخفت شيئاً فشيئاً، وبدأت البيئة الثقافية والإبداعية تفقد قدرتها على احتضان تلك الطاقات.
كان على الشاب الذي يريد أن يكتب أن يعمل لكي يعيش، وأن يبحث عن ناشر لكي ينشر، وأن يمول كتابه أحياناً، وأن يبحث عن قارئ، وأن يواصل وحده. بعضهم وجد عملاً فانصرف عن الكتابة.. بعضهم بقي يكتب، لكن بعيداً عن المشهد. والبعض لم يجد من يدعم نشر إنتاجه، فانتهت مخطوطاته في الأدراج.
آخرون انسحبوا من الحياة الثقافية كلها وانخرطوا في تفاصيل المجتمع الذي يستهلك المبدع قطعة قطعة. بل كانت هناك نهايات أكثر قسوة. أتذكر الشاعر سلامة الشطناوي. كان شاباً من ذلك الجيل، درس في اليرموك، وكتب ونشر، وأصدر ديوانه “عابر في المدينة”. كأن الرجل كان، من حيث لا يدري، يكتب عنواناً لمرحلة كاملة بعدما قرر الانسحاب من الحياة.
كم من المبدعين كانوا يحتاجون فقط إلى بيئة أفضل لكي يستمروا؟ وكم من أولئك الذين عرفناهم في اليرموك مروا في حياتنا كما تمر الفراشات؛ أضاءوا المكان قليلاً، ثم مضوا؟
تذكرت ذلك وأنا أزور معرض عمّان الدولي للكتاب. رغم بساطته الظاهرة في التنظيم وغياب “الفخامة الشكلية” قياسا بما كنت أراه في دول خليجية، كان حدثاً مهماً. كنت أرى البهجة في عيون الكتاب والمؤلفين والمبدعين وهم يقفون إلى جانب كتبهم أو محاطين ببضع قراء في حفلات التوقيع. تلك اللحظة التي يرى فيها الكاتب ما كتبه وقد أصبح كتاباً حقيقياً بين أيدي الناس تستحق الفرح، لكنه يدرك تماماً أن هذه الكتب لا توفر له معيشة كريمة.
أخبرني الصديق جعفر العقيلي، رئيس اللجنة الثقافية في المعرض، أن جهوداً فردية كانت وراء البرنامج الثقافي المصاحب لهذه التظاهرة الجميلة. والجهد الفردي مهم، لكنه لا يكفي. لا ينبغي أن تكون الثقافة رهينة حماس أفراد.
عوالم النشر اتسعت ودخلت في تعقيدات واسعة للغاية مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، وكثير من مبدعينا يرتبكون أمام هذه التحولات. فهل يمكن أن نجد من يحتضن ويساعد ويأخذ باليد.. لا أتحدث عن وزارة الثقافة فقط ولا اتحاد الناشرين ولا مؤسسة شومان ولا المركز الثقافي الملكي ولا أمانة عمان .. أتحدث عن بيئة منتجة متكاملة ومواتية لاحتضان المبدعين.
في إربد خرجت طاقات ثقافية وإبداعية كبيرة، لكن كثيراً منها لم يجد ما يكفي من الضوء لكي يكبر. ولعل هذه ليست مشكلة إربد وحدها، ولا الأردن وحده. إنها مشكلة بيئات عربية كثيرة لم تستطع أن تكون حاضنة بما يكفي للإبداع؛ بيئات يوجد فيها المبدع، لكن لا توجد دائماً المنظومة التي تساعده على الاستمرار، الدعم المالي والتشجيع والرعاية والمؤسسات والتفاعل والاهم ربما الحرية التي تكبل مبدعي منطقتنا وتمنعهم من الوصول إلى العالمية، وتحيلهم إلى مجرد عابرين في مدننا المتعبَة والمتعِبة.
فهل ثمة أمل في تغيير قادم أم أننا سنظل نحصي أسماء من عبروا ولم نعد نذكرهم؟
قد يعجبك ايضا