ما يقوله العقل البارد في الأحداث الساخنة
أسوأ ما يفعله تتابع الأحداث الجسام في منطقة الشرق الأوسط، هو انها تجعلنا نستغرق في تفاصيل كل حرب أو مواجهة أو اضطراب جديد، دون أن نمتلك الفرصة والهدوء اللازمين، لقراءة المشهد كاملاً من مسافة أبعد.
ومن يقرأ المشهد العربي بتأني سيخلص إلى أن معضلات هذه المنطقة، من حروب لا تتوقف واقتتال وانقساما وأزمات معيشية، ليست معضلات منفصلة، وهي أشبه بأعراض متنوعة لمرض لم تُعطه محتبرات الفكر والسياسة والثقافة ما يكفي لاكتشاف طبيعته. لذلك نظل مستغرقين في تفاصيل كل مشكلة على حدة دون تشخيص يكشف أسبابها العميقة.
الشعوب العربية، وقد يبدو هذا الحديث قاسياً لمن تتملكهم رومانسيات العروبة، تحتل مرتبة الصدارة في العجز والفشل والتردي الحضاري والإنساني والأخلاقي. ومراتب متأخرة في مؤشرات التنمية الاقتصادية والإنسانية وفي احترام حريات الأفراد وكرامتهم، وفي بناء مجتمعات مستقرة ودول يطمئن لها مواطنوها ومن يقيمون فيها.
فمنطقتنا التي تراقب من بعيد كيف يواجه العالم مشكلاته المستحدثة والعصرية في مراحل ما بعد بناء الدول وسبل ديمومة الاستقرار المعيشي، ما زالت تائهة في ابجديات تشكل الدول، فنراها وقد تأرجحت طويلاً بين الدولة والقبيلة والطائفة والمذهب والميليشيا وغيرها.
الشعوب العربية ظلت على مدى قرون تعيد إنتاج أسباب مكوثها في قاع الحضارة الإنسانية. وإزاء ذلك فلا غرابة من الإصرار على فتح جروح دامية كلما التأمت جروح سابقة. نفعل ذلك دون حساب دقيق لما ستؤول إليه الأمور. وحين تسيل الدماء بغزارة نستغيث بآلآخرين لإطفاء النيران التي أشعلناها بأنفسنا تحت أقدامنا.
نحن من أكثر المجتمعات انشغالاً بنظريات المؤامرة، ومن أكثرها ميلاً إلى إلقاء اللائمة على الآخرين لتبرير رداءة الحال. لكننا نادراً ما نتوقف لنسأل أنفسنا: لماذا تنجح المؤامرات، إن وُجدت، في اختراقنا بهذه السهولة؟ ولماذا تتكرر هزائمنا وإخفاقاتنا؟ وأي خلل فينا يجعلنا بهذه الهشاشة أمام تدخلات الآخرين؟.
أي نقاش لأزمات مجتمعاتنا المعيشية والصحية والتعليمية والاقتصادية والاجتماعية، لا تبدأ من البنية الثقافية والاجتماعية الكفيلة بإنتاج هذه الأزمات لا يُعوّل عليه. فمعضلاتنا ليست في نقص الموارد أو سوء السياسات وحدهما، بل تمتد إلى العقلية التي تنتج السياسات الفاشلة وتعززها، وتقبل الإخفاقات، وتبرر استمرارها.
هاكم بعض مظاهر هذه العقلية:
نحن مجتمع يتطلب إقناعه بأن طعامك وشرابك ولباسك وأفكارك وأحلامك، وحتى طريقة نومك على السرير ومشيتك في الطريق، تفاصيل تخصك وحدك ولا شأن لأحد بها، جهداً استثنائياً وغالباً يفشل.
نحن مجتمع حين يختلف أحدنا مع آخر، قد يكون أول ما يفكر فيه هو إسكاته أو إقصاؤه أو التخلص منه، بدل البحث عن صيغة للتعايش معه وقبول حقه في الاختلاف.
نواجه مشكلات العصر المستجدة والمعقدة بالعودة إلى كتب وأشعار وأفكار صيغت قبل قرون، ونصر على أن إجابات الماضي تصلح بالضرورة لأسئلة العصر، فنغيّب عن قصد العلم والمنطق وأسباب النهوض الصناعي والزراعي والصحي والتعليمي والتسليحي وبناء أسباب القوة كما صنعتها تجارب الآخرين.
نحن من أكثر المجتمعات تنظيراً في المُثل، وإيماناً بتفوقنا الأخلاقي على بقية الأمم، لكننا كثيراً ما نتعثر في أبسط قواعد الأخلاق الإنسانية حين يتعلق الأمر بحقوق الآخرين وكرامتهم وحرياتهم.
نفرض أنماط حياتنا وأفكارنا ومعتقداتنا على الأقليات، ثم حين يطالب أحد المنتمين إليها باحترام خصوصيته الثقافية أو الدينية، نجيبه بالجملة القاتلة: «اللي مش عاجبه البلد يطلع».
نرفض معتقدات الآخرين، ونصف مجتمعاتهم بالانحلال والانحطاط الأخلاقي، ثم نغامر بعبور البحار في قوارب الموت بحثاً عن فرصة للعيش بينهم، والاستفادة من أنظمتهم الاقتصادية والاجتماعية والمؤسسية، دون أن نتوقف طويلاً أمام هذا التناقض العجيب.
نذهب إلى بلاد الآخرين، ونستفيد من تسامحهم وقوانينهم واحترامهم للحريات، ولا نتردد في الوقت نفسه في السخرية من ثقافاتهم أو انتقاد أنماط حياتهم. وحين يصدر عنهم ما نعدّه مساساً بخصوصياتنا، نحتكم إلى معاييرهم هم في الحكم على سلوكهم، بينما نرفض تطبيق المعايير ذاتها على أنفسنا، ويحدث ذلك دون أن نشعر بالإنفصام.
لم ننجح، حتى الآن، في أن نهدأ بما يكفي لنبحث في أسباب هزائمنا المتتالية، بالعقل والنقد والمراجعة، بدل التبرير واللوم والاتهام. نريد دوما نتائج مختلفة، لكننا لا نجرؤ على مراجعة الأفكار والعقليات والسلوكيات التي قادتنا إلى النتائج نفسها مرة تلو الأخرى.
المشكلة يا قوم ليس في أن العالم يتآمر علينا، أو أن الآخرين يستغلون ضعفنا فحسب، فهذه الحروب التي لا تتوقف نحن من نصنعها بأيدينا. المشكلة في أننا لم ننجح بعد في بناء مجتمعات تجعل من الصعب على الآخرين استغلال ضعفها، ولم نمتلك الشجاعة الكافية للاعتراف بأن كوامن أزمتنا موجودة فينا، وفي ما نؤمن به، وفي ما نمارسه، وفي ما نرفض تغييره.
ربما هذا القليل جداً مما يمكن للعقل البارد أن يقوله للرؤوس الحامية في منطقتنا، رؤوسنا الممتلئة بضجيج الأفكار والانطباعات والقناعات الصاخبة، التي آن لهديرها أن يتوقف، كي تعرف -إن أرادت وقف هذا الاستعصاء الحضاري- أين ينبغي أن نوجه بوصلتنا.
عبدالله بني عيسى
