لماذا كل هذا اللغط حول شخصية رئيس مجلس النواب المقبل؟

5

 

الصافي نيوز- كتب محرر الشؤون البرلمانية

في معركة انتخاب رئيس جديد لمجلس النواب في دورته العادية الثالثة، التي تفتتح الاثنين المقبل بخطاب العرش السامي، ثمة لغط واسع يدور حول شخصية الرئيس القادم، والجهود التي بذلت للوصول إلى توافق بين الكتل النيابية الرئيسية، وصولاً إلى تفاهمات شملت توزيع مواقع المكتب الدائم للمجلس بأكمله.

فقد انتهت المفاوضات التي قادتها كتل الميثاق ومبادرة وعزم واتحاد الأحزاب الوسطية والإصلاح إلى تفاهم يقضي بأن يكون موقع الرئيس من نصيب كتلة الميثاق، والنائب الأول لكتلة مبادرة، والنائب الثاني لكتلة عزم، فيما تذهب مواقع مساعدي الرئيس إلى كتلتي الأحزاب الوسطية والإصلاح.

وبحسب ما تداولته وسائل الإعلام، فإن النائب إبراهيم الطراونة هو المرشح الذي تتجه إليه تسمية كتلة الميثاق لرئاسة المجلس، فيما بقيت التفاصيل النهائية للترشيحات والإجراءات الدستورية مرهونة بما سيجري تحت القبة، مع بقاء احتمالات عدوم التوافق والاضطرار إلى اجراء انتخابات مباشرة قائمة مع إعلان نا.ئبان على الأقل عزمهما الترشح خارج سياق هذه التوافقات.

لكن اللافت في هذه التفاهمات هو غياب كتلة حزب الأمة عنها، وهي التي تضم 31 نائباً، وتشكل ثاني أكبر كتلة نيابية في المجلس، الأمر الذي أثار اعتراضات داخل الكتلة، واتهامات بإقصائها عن مشاورات توزيع المواقع، رغم محاولاتها الدخول في مسار التوافق.

والسؤال الذي يبرز هنا: هل تستحق معركة انتخاب رئيس مجلس النواب كل هذا الاهتمام واللغط، خصوصاً أننا نتحدث عن موقع مهم من الناحية التشريعية والمؤسسية، لكن تأثيره المباشر في السياسات العامة للدولة يكاد ينحصر في حدود ما يمتلكه شاغله من قدرة على إدارة مجلس متعدد الأطياف، وتنظيم أعماله، وضبط إيقاعه التشريعي والرقابي؟

بمعنى آخر، هل يمكن أن يؤدي اختلاف شخصية الرئيس إلى اختلاف جوهري في السياسات العامة للمجلس أو مواقفه من القضايا الوطنية الكبرى؟ أم أن المسألة تتجاوز حدود المنافسة على موقع إداري وسياسي متقدم، إلى أبعاد أخرى لا تبدو واضحة للشارع الأردني؟

من وجهة نظري، لا ينبغي النظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها مجرد تنافس على موقع رئيس المجلس، ولا باعتبار أن تغيير شخصية الرئيس سيؤدي بالضرورة إلى تغيير في السياسات التشريعية والرقابية. فهذه السياسات تتشكل من توازنات المجلس ومواقف أعضائه والكتل التي يتكون منها، فضلاً عن طبيعة العلاقة مع الحكومة والاستحقاقات التي تفرضها المرحلة.

لكنني أعتقد أن ثمة ثلاثة اعتبارات تجعل هذه الانتخابات أكثر أهمية مما يبدو في ظاهرها.

الأول: استحقاق داخلي شديد الحساسية يتعلق بقانون الضمان الاجتماعي.

فالمجلس مقبل على استكمال التعامل مع مشروع القانون المعدل للضمان الاجتماعي، الذي أثار في الدورة السابقة جدلاً واسعاً، ودفع كتل نيابية إلى المطالبة بإعادة دراسة التعديلات وتأجيل مناقشتها، وسط مخاوف تتعلق بحقوق المشتركين وشروط التقاعد المبكر والوجوبي واستدامة النظام التأميني.

وقد انتهى الأمر إلى تأجيل بحث المشروع، وليس إلغاءه، ما يعني أن المجلس الجديد سيجد نفسه أمام واحد من أكثر الملفات حساسية اجتماعياً واقتصادياً.

وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد تمرير قانون أو تعطيله، وإنما بإدارة نقاش عام بالغ التعقيد، تتداخل فيه مصالح الأجيال المختلفة، وحقوق المشتركين، والاعتبارات المالية للمؤسسة العامة للضمان الاجتماعي.

ومن الطبيعي أن تكون شخصية رئيس المجلس وقدرته على إدارة هذا النوع من النقاشات موضع اهتمام، خصوصاً أن أي تعثر في التعامل مع المشروع قد يفتح الباب أمام موجة جديدة من الاحتجاجات والاعتراضات.

الثاني: الظروف الجيوسياسية المعقدة التي تحيط بالأردن والمنطقة.

لا يحتاج الأمر إلى كثير من الشرح لإدراك أن الأردن يقف في قلب منطقة شديدة الاضطراب، وأن المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران وتداعياتها المحتملة لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى الأمن الإقليمي والاقتصاد والطاقة والتجارة والسياحة والعلاقات الدولية.

والأردن، بحكم موقعه الجغرافي وطبيعة تحالفاته ومصالحه الأمنية والاقتصادية، ليس بمنأى عن هذه التداعيات، بل إن بعض آثار المواجهة وصلت بالفعل إلى أراضيه وأجوائه ومنشآته.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح انتظام عمل المؤسسة التشريعية، وقدرتها على التعامل مع التطورات الإقليمية، والمحافظة على تماسك المواقف الوطنية، أمراً له أهمية تتجاوز الحسابات النيابية المعتادة.

ولا يعني ذلك أن رئيس المجلس سيحدد الموقف الأردني من هذه التطورات، فهذه مسألة تتصل بمؤسسات الدولة وسياساتها الدستورية، لكنه سيكون جزءاً من إدارة التفاعل البرلماني معها، بما في ذلك المواقف والبيانات والرقابة على السياسات الحكومية ذات الصلة.

الثالث: موقع التيار الإسلامي في المعادلة السياسية والبرلمانية.

وهذه ربما أكثر النقاط إثارة للتساؤلات.

فكتلة حزب الأمة، التي كانت تعرف سابقاً بكتلة جبهة العمل الإسلامي، ليست كتلة هامشية يمكن تجاوز حضورها النيابي بسهولة. نحن نتحدث عن 31 نائباً، وعن حزب يمتلك قاعدة انتخابية وتنظيمية معتبرة، وكان صاحب الحضور الحزبي الأبرز في الانتخابات النيابية الأخيرة.

لكن هذه الكتلة وجدت نفسها خارج التفاهمات التي توصلت إليها الكتل الأربع بشأن توزيع مواقع المكتب الدائم، رغم إعلانها تشكيل لجنة للتفاوض والحوار، وهو ما دفع بعض نوابها إلى انتقاد ما وصفوه بالإقصاء.

ولا يمكن فصل هذا التطور عن السياق السياسي الأوسع الذي تعيشه المملكة والمنطقة، خصوصاً بعد قرار حظر جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، والاتجاهات الإقليمية والدولية المتزايدة نحو إعادة تعريف العلاقة مع الحركات والأحزاب ذات المرجعيات الإسلامية.

ومن الواضح أن الدولة الأردنية تواجه معادلة دقيقة تتعلق بالتوفيق بين متطلبات الأمن الوطني، والعلاقات الدولية، ومسار التحديث السياسي، ووجود حزب يمتلك كتلة نيابية كبيرة ومرجعية إسلامية.

لكن من المهم هنا عدم الخلط بين حظر جماعة الإخوان المسلمين وبين الوضع القانوني لحزب الأمة، الذي لا يزال حزباً مرخصاً يمارس نشاطه السياسي والبرلماني وفق الأطر القانونية المعتمدة.

كما لا يمكن الجزم بأن استبعاد الحزب من تفاهمات المكتب الدائم جاء استجابة مباشرة لتوجهات دولية أو ضغوط خارجية، وإن كان هذا الاحتمال جزءاً من قراءة المشهد السياسي الأوسع.

وعلى هذا الأساس، يبدو أن أهمية التوافقات الأخيرة لا تكمن فقط في تحديد هوية رئيس المجلس، وإنما في محاولة رسم شكل التوازنات التي ستدير المؤسسة التشريعية في المرحلة المقبلة، وحدود الشراكة بين مكوناتها المختلفة.

وهنا يبرز سؤال آخر: هل نحن أمام توافق نيابي فرضته مصالح الكتل وحساباتها، أم أمام توافق تحكمه أيضاً اعتبارات سياسية أوسع تتصل برؤية مؤسسات الدولة لطبيعة المرحلة المقبلة؟

لا أملك ما يكفي من المعلومات للجزم بأن مؤسسات الدولة دخلت مباشرة على خط هذه الانتخابات، لكن حجم المشاورات، وانتقال التفاوض من المرشحين والكتل إلى الأمناء العامين للأحزاب، ثم الوصول إلى توزيع مسبق لمواقع المكتب الدائم، يجعل من المشروع التساؤل عن طبيعة الحسابات التي حكمت هذه العملية.

وفي تقديري، فإن المطلوب في هذه المرحلة ليس بالضرورة رئيساً يمتلك مشروعاً سياسياً مختلفاً، بقدر ما هو رئيس يستطيع إدارة مجلس متعدد الأطياف، واحتواء خلافاته، وتوفير بيئة تسمح بتمرير الاستحقاقات التشريعية والرقابية دون أن يتحول المجلس إلى ساحة إضافية للصراعات السياسية.

لكن ذلك لا ينبغي أن يكون على حساب التعددية أو حق الكتل في المنافسة، ولا أن يتحول التوافق إلى وسيلة لإغلاق أبواب التنافس قبل أن يقول صندوق الاقتراع كلمته.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم هو من سيكون رئيس مجلس النواب المقبل، وإنما ما الذي تريده الدولة والكتل النيابية من المجلس في سنته المقبلة؟ وهل سيشكل اختلاف الرئيس مدخلاً لتحسين الأداء التشريعي والرقابي، أم أن ما نشهده هو إعادة ترتيب للتوازنات السياسية استعداداً لمرحلة أكثر تعقيداً؟

ذلك ما ستكشفه مواقف المجلس وأداؤه، وليس فقط نتيجة الانتخابات التي ستجري تحت القبة.

 

قد يعجبك ايضا